مع مودتي الشخصية و تمنياتي القلبية لجميع قرائي الأعزاء
." عاماً سعيداً مكللاً بالخير و البركة و التوفيق "
إذاً ... لماذا لا (تنصحون) الحريري
بعدم المشاركة في ذكرى 14 شباط?
كتب المحلل السياسي
مَن يقول انه (ما كان على الرئيس سعد الحريري أن يشارك في اجتماع البريستول)، كأنه يقول له: لا يجدر بك حضور ذكرى استشهاد والدك، فاذا كان سيحضر فعليه أن يشارك بالتحضير والاعداد، أما اذا كان مطلوبٌ منه ألا يحضر ذكرى استشهاد والده فهذا يعني انه مطلوبٌ منه أن يُلغي الذكرى برمتها! فهل هذا ما ترمي اليه الايحاءات?
***
يريد البعض أن يجعل من هذه المشاركة (نقصة) (أي عقدة ذنب) والبعض الآخر يريد أن يُحوّلها الى (تهمة)، لكن يبدو ان هؤلاء لا يعرفون الرئيس سعد الحريري جيداً. أما الذين يعرفونه فيؤكدون ان ما يمر به هذه الأيام من محاولات (جسّ نبض)، ليست شيئاً قياساً بما تعرّض له في السنوات الخمس الأخيرة وكذلك في الشهور الخمسة الأخيرة، ألم يُقَل خلال فترة تشكيل الحكومة ان محاولات إحراجه لاخراجه كانت تهدف الى تيئيسه ودفعه الى الاعتذار النهائي? فماذا كانت النتيجة? ألم يقُل: إنّ مَن يعتقد بأنني سأعتذر، لا يعرفني جيداً?
***
إن مَن لا يريد للرئيس سعد الحريري أن يشارك في اجتماع البريستول، لا يريد له أن يُشارك في ذكرى 14 شباط، ولا يريد لهذه الذكرى أن تقوم، ولا يريد للناس أساساً أن تتذكّر، ويريد ليوم 14 شباط أن يمر وكأن شيئاً لم يحدث فيه.
***
يُخطئ مَن يعتقد بأن (العتب) هو على المشاركة، الحقيقة هي ان (العتب) هو على الذكرى في حد ذاتها. فالرئيس الشهيد رفيق الحريري كان صامداً لبعضِ مَن هُم في الداخل لأنه وقف حجر عثرة في وجه طموحاتهم السلطوية التي استخدموا في سبيل الوصول اليها أساليب غير مشروعة مثل التنصت على هواتفه في منزله بقريطم، وحتى بعد خمسة أعوام على استشهاده فان طيفه ما زال يلاحقهم، ويعتبرون انه يحد من طموحاتهم ذاتها، لذا فانهم يجهدون النفس من أجل الغاء ذكراه، ويعتقدون بأن امنيتهم هذه لا تتحقق الاّ بإبعاد نجله عن هذه الذكرى.
***
لقد بلغ بهم الوهم حداً يفوق كل تصور، وهذا الوهم أعماهم عن رؤية الحقيقة وهي ان الناس سينزلون في 14 شباط ليس من أجل (الشهيد) فحسب بل من أجل (الشاهد) الذي رأى بأم العين ما حققته (الشهادة)، وهو تسلّم المسؤولية للحفاظ على الأمانة ولترسيخ المشروع الذي بدأه والده الرئيس الشهيد.
***
تلك هي المعاني الحقيقية للذكرى، ولأنها كبيرة الى هذا الحد، فانها لا تتوقف كثيراً عند الصغائر التي تُكتَب، عن يأسٍ، بين حين وآخر.
كانت الرجولة او المرجلة كل شيء في حياة احمد ملاعب حارس (دار الصياد) عام 1957، لا يحلم الا بها، ولا يتحدث الا عنها، بل كان لا يقوم ولا يقعد ولا يلتفت الا وهو متمسك بمظاهرها واصول حركاتها، كمط القامة وتعريض الكتفين وعقد الحاجبين والنظرة الصارمة الى كل غريب يدخل الى الدار او يمر امامها سائراً على قدميه او عابراً في سيارة.
وطلب ذات يوم ان اخصص له سيارة جيب وسائقاً شجاعا. ولما سألته السبب قال:
- ما بخفي عليك... في ناس عم يمرقوا بالسيارات ويتطلعوا بالدار وبداعيك تطليعة غدر!
- بسيطة، قابلهم بالمثل.
- ما بيكفي... لازم الحقهم واهتك حريمهم!
وكانت شتيمة (هتك الحريم) هي الشتيمة الوحيدة التي يستعملها احمد ملاعب، ويعف لسانه عن استعمال غيرها مهما اشتد به الغضب واستبدت ثورة الاعصاب.
ولم يكن يقصد طبعاً الهتك بمعناه الحقيقي، انه من هذه الناحية مؤدب ومن اصحاب العفة الذين يجلون (الحريم) ولا يدخلون المرأة في حساب دنياهم التي هي دنيا المرجلة ولا شيء آخر.
واقتحم مرة باب مكتبي وقال:
- بالاذن...
قلت:
* تفضل.
قال:
- بتريد يروح ابن ملاعب رخيص?
قلت:
* معاذ الله...
قال:
- افتكرت بهالليل، شفت مش راح تمشي المسألة بفرد... لازم مدفع رشاش وكم قنبلة.
وهيدا رأي المحروس.
وكان يقصد بـ (المحروس) بسام فريحه...
وكان بسام لا يزال طالباً في الجامعة الاميركية، لا تستهويه الدروس بقدر ما تستهويه التظاهرات وتمضية اوقات الفراغ مع احمد ملاعب حارس الدار، يصغي، بكثير من الاعجاب والرغبة في الحرتقة، الى قصصه واساطيره عن المرجلة، وكيف صال وجال في ميدانها في الماضي، ويريد ان يصول ويجول في الحاضر والمستقبل.
ويقول له بسام:
- معقول تقدر تصول وتجول بهالفرد اللي معك!
فيجيب محتداً:
- الحق على الوالد... طلبت منه اسلحة وذخيرة قال الفرد بيكفي!
- لازم ترجع تطلب وتلح.....
وقلت لاحمد عندما جاء منفذاً مطلب بسام:
* لا تصغ اليه... انه لا يزال شاباً صغيراً.
- اسمحلي... ما بينقالش عن المحروس صغير.. فهماتوه ما شاء الله، قدي وقدك.
* ولكن الحكومة يا احمد لا تسمح لنا باقتناء القنابل والمدافع الرشاشة.
- حط بالخرج... بسايطك وسايط المير مجيد منقدر نقتني مصفحة!
* وماذا نفعل بالمصفحة?
- منوقفها قدام الدار ومنهتك حريم كل واحد بيتطلع فينا وَرْب!
* * *
وخطر لي ان استغني عن حراسة احمد ملاعب. ولكن بسام فريحه اعترض، وكذلك فعل الاخوان المحررون.
كان وجود احمد وحراسة احمد، في نظرهم، ضرورة.
فكيف يقضون اوقات الفراغ وكيف يدبر بعضهم المقالب ضد بعض?
قال هشام ابو ظهر مرة لاحمد:
- في شي بينك وبين الياس حبيب?
- مين الياس حبيب?
- حلاق الدار.
- لا، ما في شي... بس انت شو ملاحظ? شو سامع? اوعى يكون هالزبون حاكيلك شي عني?!
وقال هشام:
- ما في لزوم تزعل.. طنش!
وصاح احمد:
- ابن ملاعب بيطنش?! وحياة شرفك ان شفته لاهتك حريمه!
وراح يسأل عن الياس حبيب فقيل له انه في بيته.
وسأل عن بيته، فقيل له انه في الاشرفية.
وقال احمد:
- خاطرلي روح وطربق الاشرفية على رأسه..
وفجأة اطل الياس حبيب فصرخ به احمد:
- وقف عندك.. اوعى تتحرك.
ثم تقدم منه وسأله بلهجة التهديد والوعيد:
- شو قايل عني? شو حاكي? الرجال بيحكي بالوجه مش بالقفا!
ودهش الرجل، وهو من اعقل الناس واهدأهم وابعدهم عن المشاكل.
وقال:
- شو القصة? مش فاهم شي..
- مش فاهم شي!ّ عم تنكر كمان? يا بتقول هلق شو قايل... يا بقطع رقبتك بهالعصا من القرمية!
وتدخل المحررون والعمال وهشام ابو ظهر بالطبع، ولكن احمد ملاعب ظل شاهراً عصاه يريد ان يقطع بها رأس المسكين!
ونزلت كالعادة من مكتبي على الضجيج، فبادرني احمد ملاعب بقوله:
- بدك تسمحلي يا استاذ...
* بشو?
- برأس هالافندي الطويل اللسان.
واخذت اروقه الى ان انتهى الحادث بسلام.
* * *
وقلت مرة لأحمد:
* كلما سألت عنك يقولون لي انك نائم او ذهبت الى بيصور.
قال:
- النتيجة?
قلت:
* اخشى ان يعتدي احد في غيابك على الدار.
فهز برأسه وقال:
- اطمئن... ابن ملاعب ان كان نايم او قايم، وان كان غايب او حاضر، مثل بعضها!
* كيف مثل بعضها?
- بيكفي يعرفوا اني حارس الدار حتى ما يفكر ابن مرا يقرب صوبها. اسأل عني يا استاذ، اذا كنت ما بتعرفني.. اسأل عن ابن ملاعب بسورية، اسأل عنه بلبنان، اسأل عطوفة المير مجيد اذا حبيت، بيقلك، خياله وحده كافي ليحرس هالديرة كلها!
قلت:
* ما عندي شك...
قال:
- إذاً روح نام واطمئن!
* * *
وعدت افكر في الاستغناء عن حراسة ابن ملاعب، فاتصلت بالامير مجيد وقلت له:
* اكون شاكراً اذا سحبته من حراسة الدار.
قال:
- غلطان... احمد من اشجع الرجال واخلصهم.
قلت:
* لا اشك. ولكن لم يعد هناك لزوم للحراسة.
قال:
- اذا كان هيك... بتقدر انت تفهمه!
وكدت اقول للامير مجيد:
* سمعت اراء كثيرة... ولكن اسوأ من هذا الرأي لا سمعت ولا يمكن ان اسمع!ا
انا افهم احمد ملاعب! انا اقول لعنتر بن شداد، للزير ابي ليلى المهلهل، للتبّعي الملك اليماني; (مع السلامة... لم اعد بحاجة اليك)? انا?
واذا غضب وثار، وهو الرجل الحساس الذي لا يطيق الزاحلة... فماذا أفعل? وبماذا ابرر استغنائي عن حامي الحمى، وبماذا اكافئه? بل كيف يمكن ان اقنعه بأني لم اعد في حاجة الى حراسته، وهو الذي اصبح يعتقد انه لولا هذه الحراسة لاصبحنا كلنا في خبر كان، انا والدار والمحررون وعاملة السنترال بالذات!
ومع ذلك فقد خطر لي ان اجس نبض احمد، فاستدعيته الى مكتبي وطلبت له فنجان قهوة، واخذت اشكره على مروءته وخدماته، ثم قلت:
* شو رأيك?
قال:
- بشو?
قلت:
* بإجازة..
قال:
- شو يعني اجازة?
قلت:
* يعني تروح تشم الهوا شي جمعة، او جمعتين، او شهر، او شهرين?
فنهض غاضباً وقال:
- فهمت قصدك... انت ناوي تقدفني لاني زعلت من هالزبون الياس حبيب. وما دام هيك انا رايح، بس قبل ما روح راح طربق الدار على رأسه ورأس كل واحد بيعترض ابن ملاعب.
قال هذا ووضع يده على قبضة مسدسه واخذ ينظر الي شزراً.
وكان مأزق لم اعرف كيف اخرج منه مع الاحتفاظ بالكرامة... طبعاً!